يقول الكاتب :
أحمد بامبا منتقى بشير
ولد هذا الزعيمُ المجدِّدالكبير، والداعية الإسلامي الحكيم ، والمصلح الاجتماعي المُوَفَّقُ ، والعارف المربِّي لأجيال من المحسنين ، الشيخ أحمد بمب العبد الخد يم ـ في مدينة بك, منطقة بول, إقليم جربل, سنة 1270هجرية الموافق 1853م ، في أسرة عريقة في العلم والدين, وانتقل منها قبل فطامه إلى قرية جَهْ كَنْ حيث خاله الشقيق أحمد بِنْتَ كَنْ مع أبويه : والده محمد المعروف بمور أنت سل بك وأمه مريم المشهورة بجارة الله بص,وفي عام فطامه وضعه أبوه تحت رعاية عمه وخال أمه "بك دمب" العالم المفسِّر بمنطقة جلف ليحتضنه حتى يبلغَ سنَّ الدراسة فيؤدِّبه ويلقِّنه القرآن العظيم . فقام عليه الموصَى أكمل قيام حتى حفَّظه القرآن كاملا قبيل وفاته ، وبعدها نُقل إلى خاله العالم الورع محمد بص .
وقال الشيخ محمد الأمين جوب الدغني: "فلمابلغ الشيخ سن التعلم سلٌمه والده لخاله "محمد بن محمد بص" شقيق أمه الصالحة فابتدأ في تعليمه حتى ترعرع قليلا, ثم لما تهر سلمه الخال إلى خاله هو أيضا وخال أم الشيخ تفسير انبك نمب بن محمد شخن بص بن محمد الكبير المذ كور وهو شقيق جدة الشيخ أم أمه عائشة .. حتى توفي المفسر وقد قارب من الحفظ. أخبرني بعض الثقات أن شيخنا المترجم له أخبره أن لوحه بلغ "لتجدن" وقت وفاة معلمه المذكور, ثم رجع إلى والده واجتهد لنفسه حتى حفظ وصحّح وجوّد من المصححين إذ ذاك كل ذلك بقرب والده ولا يغيب عنه إلا قليلا لأن أخاه الشفيق "محمد جاره" كان عند بعض المصحِّحين خارج قريتهم ,ربما يأتيه يمكث معه شهرا أو
ولم يمكث هناك طويلا بل صادف أيام إرسال أمير سالم المجاهد الفاتح مبه إلى آفاق البلاد ... يدعو المسلمين إلى الهجرة إليه والانضواء تحت لوائه ليحميهم من اضطهاد الأمراء والحكام الفاسقين ، ويجاهد معهم لإقامة دولة إسلامية تحكم بكتاب الله الحكيم .
فهاجر إليه غالبية المسلمين غيرَ من حبسهم العذرُ . ومن هؤلاء المهاجرين الشيخ محمد بص الذي اقترح عليه الإمامُ مبه أن يؤُمَّ َالمسلمين من سكان منطقته .
توجه الإمام البصوبي نحو- نجور- بلد مبه مع تلميذه الصغير أحمد بمب، والتقى هناك أحمد بمب بوالده محمد بن حبيب الله، وكذلك التقى بصمب تكلور بن خالة أبيه ونظيره.
وكان صمب هذا رجلا صالحا فقيها بارعا متعمقا في أسرار الطريقة القادرية ، وشيخا فيها ؛ وصار مدرِّسا لأحمد بمب. علّمه كثيرا من مبادئ العلم، منها كتاب الرسالة في الفقه وربما أم البراهين للسنوسي في العقيدة ، ومبادئ علم النحو .
وفي هذه الفترة غاص أحمد بمب في دراسته ، لا يشغل بالَه شيءُُ من المتاع.وكان متوقّدَ الذكاء ، سريع الفهم ، جادًّا لا يعرف اللهو واللعب منذ صغره .
وبعد هزيمة جيش مبه الأمير عام 1867, نتيجة قيامه بهجوم لأهل منطقة سين الوثنيين ، من غير تنظيم عسكريّ دقيق ، في مقابل أهل السين المصمِّمين على التفاني للدفاع عن وطنهم المعشوق ، والقتال إلى آخر رمق من حياة آخر رجل من بنيه .
وكان الأمير حريصا على إقامة دولة إسلامية ، ولكن يُروى أنه لم يكن متبحرا في العلم ولا متعمقا في فقه السياسة والإدارة والحرب؛ بل تقدم أمام الجيش فكان فريسة سهلة لأعدائه، فقُتل شهيدا .
وبعد الهزيمة استدعى مجلسُ الحل والعقد في منطقة كجور " لتجور" أميَر كجور الذي كان لاجئا عند الأمير مبه فأسلم على يديه ، وبايعه مع جميع أصحابه فألح لتجورُالأميرُ على نظيره محمد بن حبيب الله والدِ الشيخ ليصاحبه فيوليه القضاء ، ويكون له مرشدا ومستشاراعلى دينه وموجّها إلى الصواب . وكان يستفتيه ويوثق العلاقة بينهما لما يعرف منه من التعمق في الفقه ، والصراحة في الحق وحسن التدريس .
فاتفق العالم ابن حبيب الله على ذلك الاقتراح نظرا لما يراه فيه من المصلحة لدين الله ؛ وذهب معه هو وأهله وتلاميذه ، وغادر ولدَه أحمدَ بمب عند شيخه صمب تكلور- وكان ولده قد فقد أمَّه التي تُوُفِيت في برقان عام 1866وهو صغير - دارسا بعده سنة كاملة خائضا في بحور العلم؛ثم طلب قدومَه أخيرا ليلحق به ويتولى هو بنفسه تفقيهه في الدين، وتعليمه علوم اللغة العربية والآداب.
وكان الشيخ القاضي يشترط على الأمير لتجور أن يسمح له بأن يسكن في قرية بجانب عاصمة إمارته ، ليتمكن من الاختلاء بتلاميذه كي لا تعوقه عن التعليم أية عقبة ، فاتفق الأمير على ذلك وأقطع له أرضا تسمي" بتارPatar" وقيل: نغل بجانب عاصمته –"كرأحمد يل" وقيل: "جلمخ نغول"Thilmakha ngol.
وسكنها الشيخ الوالد ، يتوجه كل يوم الثلاثاء إلى العاصمة ، ليقضي فيما بين الناس من جنايات ومظالم، ويبقي بقيةَ أيامه يعلِّم طلابَ العلم ويُفتي على المستفتين ويزرع أرضه .
وكان مجلسه مجمعَ الطلاب وروٌَاد المعرفة من آفاق البلاد ، بعد أن جال وطاف حول دور العلم والآداب يبحث ويراود عن حقائقها وفروعها.
وكان ولده النجيب من أجدّ الطلاب ، وكان أكثرهم عبادة وورعا ، وكان ذا ميل فطري للاعتكاف في بيته ، عَزوفا عن الاختلاط بالناس ، نهما في القراءة ، دَؤوبا علي الدراسة ، وذلك مما أتاح له الفرصةَ لاطلاع كثير من كتب الدين واللغة والفكر والآداب ، والبحث والتفكر في كثير من المسائل العلمية المعقّدة ، والخروج منها بنتائج واضحة، على الرغم من ذلك العصر الذي كان أكثر الكتب نادرا صَعب المنال,ربما يكتب أسفارا علمية كبيرة بيده ، أو يكتب مصاحف قرآنية ويبيعها ليشتري بثمنها كتبا أخرى لم ينلها .
وبعد فترة يُكِبُّ على دراسته وعبادته ، لا يعرف الدعة ولا الراحة ، بدأ يتعمق في العلوم على يد شيخه الوالد ، ويغشى حلقة القاضي" مجخت كََلَ"َ زميل أبيه العالم المتخصص في اللغة وفن العروض والقافية ، ليدرس من حضرته هذا الفنَ الأنيق ويتدرب في نظم الشعر .
وبعد برهة قصيرة أتقنهما ، وأصبح ينظم لطلاب العلم الكتبَ التي كانوا يدرسونها ، بأسلوب واضح رشيق عذب سهل للفهم والحفظ ، وظل الشيخ الوالد يُدَرِّسها للتلاميذ.
وكان الشيخ الوالد يحب ولده النجيب ويُشْغَفُ به لما يعرف من حرصه على دينه وورعه وعلمه الصحيح الواسع وثقافته الإسلامية الصافية وأدبه المرضي وخلقه الكريم ومروءته الأصيلة . وكان يوليه أكثر أوقات التدريس وكتابة الوثائق وردّ الأجوبة ؛ فظهر من تلك اتجاهه الفكري الصريح بلا مداهنة ، وأسلوبه الرائع الجادُّ بلا غموض . فتفتحت العيون تحدّق إليه النظر ، ويخطب وُدَّه الراعي والرعية, وصار طلاب العلم يتوجهون إليه باختيارهم بعد أن كان بأمر شيخهم المحترم.
يقول الشيخ محمد الأمين جوب في كتابه إرواء النديم من عذب حب الخديم: " كان الشيخ في حباة أبيه شرع في التأليف في العلوم النقلية الشرعية, فنظم ورقات الإمام السنوسي أعني "ام البراهين" فتلقاه والده بالقبول وصار يقرئ به بدلا من النثر, سمعت الشيخ يقول: إن الشيخ الوالد أقرأ ذلك النظم ابنيه؛ شيخ جر واسمه السيد محمد الخليفة, وشرج عافية واسمه أحمد المختار, ونظم كتاب الإمام الغزالي الذي يسمَّى " بداية الهداية" وسمَّاه "ملين الصدور" ثم اختصره بعد وسماه " منوِّر الصدور" بتاريخ عام شرضد 1294أربع وتسعين ومائتين بعد ألف هجري. ثم "جذبة الصغار", ثم " الجوهر النفيس" نظم فيه نظام الإمام الأخضري, وغير ذلك.[1] "
ومع هذا الجاه المقبل عليه ، والشهرة المنتشرة منه ، كان يجيش في صدره الإيمانُ العميق والمحبة الخالصة لله ورسوله والمؤمنين ، والزهد في الدنيا والحرص على الآخرة والرضوان والزلفى عند ربه ، والاستقامة في عبادته وحياته . وكان ينقم من أبيه وظيفتَه القضائية ، ومصادقته للأمراء، ويُسِرُّ شكواه إلى زميله مصمب جوب الذي صار رائدا من طليعة أتباعه؛ ولكنَّ واجب البر والإحسان عليه لوالده يحول دون مصارحته ومعارضته,فكان كلما صاحب أباه إلى أحد الأمراء إذا حيٌَاهم لا يزيد عليها شيئا ؛ بل يُعرض إلى زاوية بالبيت ، يذكر الله أو يتفكر حتى أوان الوداع والانصراف؛ وكان الأمراء وحاشيتهم يُحِسّون ذلك ويتحدثون به,بعضهم يقول: إنه أبله وبعضهم:سفيه أو مجنون، حتى أجمع العقلاء واتفقوا بعد التأمل على أنه مجرد ربانيٍّ تقي يحذر ويبتعد عن كل ما يُشكل أو يشتبه بله المكروه، ولا يهمّه غير العلم والمعرفة والسنة الطاهرة، ولا يهوى إلا عبادة الله والحصول على رضوانه؛ومع هذا فهو وحيد غريب كمرتحل فريد على نهج قويم معبّد إلى بلد آمن مزدهر، فيه السعادة والحضارة والسكينة، يسعى ويهرول ليل نهار، لا يلتفت ولا يكترث بضجة المتفرج ولا بنداء السائل المستخبر، هدفه الاهتداء وغايته الوصول .
جاء الأمير صمب لوب فال بن أخت الأمير لتجور ذات يوم إلى الشيخ الوالد يطلب منه أن يأمر ابنه العالم أحمد بمب بأن يذهب معه ليكون له قاضيا ومرشدا كما كان أبوه مع خاله لتجور، فدعا ولده وعرض عليه حاجة صمب لوب فأجاب وقال له : أنتظر حتى يخرج . ولما خرج صمب إلى بيت الابن أحمد وجده يتوضأ ، وأشار إليه ليجلس على بساطه ، فرفض ولم يجسر على الجلوس عليه . وهذا عجيب جدا! يجلس مع شيخه الوالد ولم يخطر بباله أن يجلس على فراش الابن؛ بل فضّل القعود على الأرض حتى انتهى من الوضوء، ثم أفصح الأميرُ عن حاجته فردّ الشاب العزيز أحمد قائلا : أحترم الشيخ الوالد كثيرا ولكن لا أستطيع أن أذهب وأترك الطلاب الذين جاءوا من أجل تعلم أمور دينهم ؛ حاش لله أن أفعل ذلك .
فحينئذ لم يردّ الأمير على ذلك شيئا ؛ بل تفهمه وقبل معذرته وجاد له بجواد فاره، فقبله الشيخ أحمد مجاملة، وباعه بثلاثمائة درهم، وقسمه على ثلاثة من حاشية الأمير الشاب، كان كل واحد منهم يطالبه بدين مائة درهم.
هكذا عرف الشيخ الوالد في ابنه البارِّ تمام الزهد والاستقامة والمعرفة والهداية، وتفرس فيه خيري الدنيا والآخرة ، وبدأ يزيد تقريبه منه ، ويبثُّ عليه أسراره وأفكاره ومشاريعه ونواياه ووصاياه إلى أن أتاه نصيبه من القضاء المقدور من البر, الرحيم بمؤمنه, اللطيف بعبده، فتوفي يوم الثلاثاء 29من محرم عام ألف ومائتين وتسعة وتسعين هجرية الموافق21/12/ 1881م عن عمر يناهز 61سنة ، وقد قرَّت عينه وسكنت نفسه بابنه البارّ ، فاجتمع الشيخ أحمد وإخوانه وأقاربه والتلاميذ وأصدقاء والده من العلماء والأمراء والجيران وصلَّوا عليه صلاة خاشعة بإمامة زميله الوفيِّ الشيخ طيب سِلْ المسمى بِمَدُمْبِ مارْ العالم المخلص .
ولما فرغوا من الصلاة وما يتعلق بها ورجعوا إلى الدار، أمر الحاضرون من الزعماء ، فيهم القاضي ـ مججت كل ـ ابنَه الوفيَّ أن يتجه إلى الأمير لتجور ليعزّيَه من صديقه وقاضيه، فيوليَه الأميرُ منصب القضاءَ بعد أبيه ويُجزل له جوائز متتالية . فأجاب الشيخ أحمد قائلا :
قالوا لي اركن لأبواب السلاطين تحز جوائز تغني كلما حين
فقلت حسبي ربي واكتفيت به ولست راضيَ غيرِ العلم والدين
ولست أخشى ولا أرجو سوي ملكي لأنه جل يغنيني وينجيني
أنى أفوض أحوالي لمن عجزوا عن حال أنفسهم عجز المساكين
أو كيف يبعثني حب الحطام إلى
. جوار من دورهم روض الشياطين
إن كنت ذا حزن أو كنت ذا وطر دعوت ذا العين قبل الراء والشين
هو المعين الذي لاشيء يعجزه هو المكون ما شاء أي تكوين
إن شاء تعجيل أمر كان ذا عجل أو شاء تأجيله يبطأ إلي الحين
يا من يلوم فلا تكثر ودع عذلي إذ لست من فقد تي الدنيا بمحزون
إن كان عيبي زهد في حطامهم فذاك عيب نفيس ليس يخزيني.
وكان هذا بداية عهد جديد واستقلال حديث مع بلوغ أشده . فمنذ وفاة شيخه الوالد المحترم المشكور ، بدأ يتجه نحو همته الملحة وشغله الشاغل، ألا وهو جمع أمهات الكتب في علوم القرآن والسنة والسيرة والتوحيد والفقه والتصوف ، فالقراءة الدائبة والتحقيق والتمحيص ، والبحث عن رجال العلم والدين ، والتلقي عنهم مباشرة ؛ وذلك مما أدى به إلى التطواف والتجوال حول البلاد حتى وصل إلى موريتانيا، والتقى بعدد من العلماء المبرِّزين والشيوخ الكبار من المتصوفين ، وتدارس معهم حول العلوم الدينية والأذكار والأدعية وصيغ الصلوات على النبي ؛وتزود من كل هذا زادا كافيا وحقَّق فيها واختار منها أوفقها للسنة النبوية، ورجع إلى داره بك كجور بجِدّ أشد وهمة أرقى إلى عبادة الله وحده ، والبحث العلمي، والعمل بعلمه الصحيح، والاستفادة بثمار تجاربه وخبرته، والحزم لإحياء العلم ونشره بالتعليم والتأليف.
وكما كان العرف والعادة في مسلمي بلده ـ كان ينتمي في الفقه إلي مذهب الإمام مالك، وفي الطريقة كان ينتمي إلى القادرية، وتلقى الوردَ من شيخه الوالد ثم قرنه بالورد الشاذلي, وأخيرا زاد عليه التيجاني, وبعد مدة ترك التقيد بطريقة من هذه الطرق، وجعل وسيلته وقدوته الرسول عليه الصلاة والسلام ذا الخلق العظيم ، وصار ورده الكتابَ والسنة وما استنبط منهما ومذهبه مذاهب العلماء الراسخين في العلم وطريقته سبيل القوم المؤمنين المسلمين المحسنين, سبيل الرسول الكريم, صلى الله عليه وآله وسلم, وذلك بعد أن تربَّى وربَّى أتباعه على مذهب الإمام مالك بن أنس رضي الله عنه وأمرهم بالتمسك به وقال : إنه مَذهب طاهر صحيح. وهذا لعلمه أن وحدة المذهب يُعين على التحابب والاجتماع والتعاون المأمور؛ وكان يقول في ذلك :
مشايخي في الفقه مالك العلي والشافعي والحنفي والحنبلي.
ويقول :
كنزي الكتاب والحديث والأدب لا جمع فضة ولا جمع ذهب .
ويقول :
بنيت طاعتي بالاتباع بالذكر والسنة والإجماع .
ويقول :
بالله دوموا في اعتصام واعملوا بما به جاء الأمين الأعدل .
بما به قد جاءنا من الكتاب تمسكوا وبالحديث والصواب .
هذه طريقتي وفيها ألمع طرائق القوم الذين جمعوا .
ويل وفتنة مع الحرمان لتارك السنن في الأزمان .
وكان هكذا قبل أن يخص الله له ورده المأخوذة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, وهو في موريتانيا, بعد الغيبة البحرية في "غابون".
وبعد نفيره الجهادي للتفقه والبحث والتحقيق عاد إلى حلقته العلمية يواصل تدريسه كما كان في عهد أبيه .
[تاريخ الدعوة إلى المبايعة27/9/ 1300هجرية]1/8/ 1883م
وفي هذه الفترة حدٌَثه الله وألهمه أن يبايع الطلابَ على السمع والطاعة ، وأن يُربِّيَهُمْ بالهمَّة العالية ، ولا يربِّيهم بالدرس فقط . فجمع عامّةَ طلاب العلم وأعلن النبأ وقال : من اتفق على ذلك فليبايع !
ولما فرغ من كلامه بايعه في الحال ثلاثة من الطلاب الأوائل ، وهم : إبراهيم صار ومصمب جوب وأولهم آدم غي ولما قَدِم عبد الرحمان لو من بعثة قام بها بإذن الشيخ المعلِّم انضم إلى قائمة المبايعين ، ثم تحادث مصمب جوب مع صديقه الحازم حسن جاي فالتحق بهم ، واستمر الأمر هكذا يزداد كل يوم بل كل ساعة .
وخرج آدمُ غي ذات يوم في بعض جولاته لجمع الهدايا للشيخ المربِّي وجمع الصدقات لطلاب العلم ، فالتقى برجل من طلاب الشيخ العارف يسمى إبراهيم فال ، فلما رآه الرجل كلَّمه وقال له : إنني أشمُّ رائحة ضالتي المنشودة ، أبايعك أو توصِّلني للشيخ العارف الذي كنت أطلبه منذ مدة . فاتفقا على إيصاله إلى الشيخ . ولما وصل الضيف إلى الشيخ بايعه على السمع والطاعة وجرى بينهما حوار طويل .
وحدثني الشيخ محمد المنتقى ابن الشيخ محمد البشير عن أبيه قال : أول ما أمر به الشيخ أحمد لطالبه إبراهيم هو أن يدرس كتاب الرسالة لابن أبي زيد القيرواني في العقيدة والفقه والأدب,والعمل به .
وكانت مبايعة هذا الطالب حدثا عظيما في تاريخ المريدية ! إذ لما جاء يبايع وجد عند الشيخ جماعة من الذين بايعو ه وأحبُّوه ونصروه وأطاعوه ووثقوا به في دينهم قِدْما ؛ ولكن المريد الجديد لما التحق بهم ألزمهم آدابا وسلوكا وغيَّر أسلوب معاملتهم مع الشيخ ؛ بيد أنه لم يرو أحد ممن يوثق به أن الشيخ ألزمهم أو أمر بشيء من هذه الممارسات مثل تقبيل اليد أو خلع النعال والقلانس عند لقائه . وكان هذا المريد مجذوبا خديما للشيخ جادّا لا يفتر لسانه من ذكر الله .
هكذا كان المريدون الأوائل تشمَّروا إلى عبادة الله وحده والخدمة لشيخهم مع التزام الأدب . وكانت هذه الفترة بالنسبة للشيخ نقطة تحول إلى العمل في نطاق الإسلام مع الاستفادة من الأوراد المستمدة من القرآن والسنة .
وكان يركِّز في تربيته على إقامة شعائر الإسلام ، والتفقيه في الدين ، وتطهير العقيدة من شوائب الشرك ، وتزكية الأخلاق والنفوس من الرذائل والعيوب ، ويغرس فيهم إرادة الله ورسوله والدار الآخرة . فلذلك سموا بالمريدين .
وتأثر في هذه الفترة بعلماء التصوف وخاصة الإمام الغزالي ، ونظم كتاب بداية الهداية بالشرح والتيسير ، وسماه مليِّن الصدور وأعاد نظمه في النهاية وسماه منوِّر الص[2]دور . ويقول فيه :
وبعد فاعلم أن خير ما اشتغل فتى به علمٌ ودينُ الله جل
من فاته هذان في دنياه مشتغلا بالمال عن هداه
فما له غدا سوى العذاب ونقمة الله بلا ارتياب .
وأصبح يفقد الصبر على مخالطة العامَّة من أهل كجور لشيوع الفجور, واهتمام الناس بمتاع الحياة من المال والجاه على أمر دينهم ، ومخالفة زعماء المنطقة له لرفضه قضاء قاضيها في قضية صمب ساج ، وهذا نص ما كتبه الشيخ محمد البشير ، في كتابه منن الباقي القديم:(كان من قضاء الله أن أسلم على يديه ابن عم لتجور- ملك كجور – إبراهيم كُدَّ جوب ، وكان ذا منزلة حظيَّة عند الأمير ، فأول ماأمر به شيخنا غلام قاضيهم السالف أن يرد جميع ما أخذ من أموال أتباع أحمد شيخ : هو رجل أتى من منطقة فوتا يزعم أنه يجاهد أمراء كجور ، لإدخالهم في الإسلام بعد أن صلَّوا وصاموا مع الشهادة، والله أعلم بحقيقته ، وهزم أهل كجور مرات ، إلى أن أعانتهم فرنسا وقتلوه ونهبوا أمواله ومن معه، وكان الشيخ الوالد ينهى عن أخذ أموالهم لكونهم مسلمين ويقول: قتالهم فتنة والدم هدر والمال رد لأهله- وأحله فيما بلغني بعض القضاة، ومشوا على فتواه إلى أن أسلم إبراهيم هذا على يد شيخنا ، وأمره برده وامتثل فعظمت الوقيعة في شيخنا عند الأمير ، وأنه نقض حكم القاضى الكبير، وأنه رجل خالف العلماء في هذا ولم يراع حرمتك ، إن لم توقع به في الحال فسترى ما تكره ، لأن أتباعه مريدون يخالفون غيرهم في الصلابة في الدين، ويسمعون أكثر من كل أتباع مع أستاذهم ، حتى أرسل إلى شيخنا يستقدمه ليعقد مجلسا تجتمع فيه العلماء معه للمناظرة ، فأجابه شيخنا بأن ذالك أمر لا يمكن ، وكرر الأمير عليه مرارا وهدده إن لم يأت ، فكتب إليه شيخنا: إني لم أتثاقل عن إتيانك من تكبر ولا جبروت ، ولم أهب مقابلتك ولم أشك في مقالتي فأهاب مناظرة العلماء ، ولكن الطريق - كما قال أحد العلماء لبعض الأمراء - يؤتى ولا يأتي و كما قال مالك بن أنس لهارون الرشيد إن كان قصدك التعلم فأتني ، وإن لم تقصد التعلم وأردت سمة دنيوية فقط فإني أستحيي من الملائكة أن يروني على باب الأمير لأمر دنيوي، (تنبيه ! وقال الإمام مالك أيضا لهارون الرشيد: إن العلم ليس كالتحريش بين البهائم والديكة!) وحين بلغه هذا الكلام وكان أمس غلاما بين يديه وبين يدي الشيخ الوالد، استغربه جدا وشاور فيه بعضَ العلماء لما فيه من هضمه وإياهم ، وأشار عليه بعضُ حشمه على الإيقاع به، فاشتهرت الحادثة لما علمت أن الملوك هم أسواق الدنيا ، ولكن- بوقاية الله- فاجأ الأميَر انتقاضُ عهده مع فرنسا لأمور أوجبته ، فاستغرق الهمُّ جميع الهموم ..وقال أيضا الشيخ محمد البشير: وذالك أن الأمير لتجور هاجر إلى سالم مرة ثانية من هذه البغتة التي مر ذكرها ، وذهب معه قومه وخوله وأهل بيته ، ومكثوا مدة في سالم لايوافقهم من أهل سالم إلا سعيد به ابن شيخه وإمامه مبه المتقدم الذكر ، وقد بايعه أتباع أبيه الأجانب من مهاجرة البلاد التي فتحها والده مبه وبعض من الوطنيين ، واختلف عليه قوم في مقدمتهم تلميذ والده بران سيس ، وهو من أعرفهم في البلاد، فخذل عنه جل الوطنيين أهل سالم ، وقام مع سعيد أخلاط المهاجرين ، ولا يحصي عددهم إلا الله . أما لتجور فلما لم يوافقه من أهل سالم إلا سعيد تكدر هو ومن معه جدا ، وضاقت عليهم الأرض بعض الضيق لما ألفوا من التبسط ولعدم أمن الأرض من كثرتهم الزائدة حتى لا تحملهم تلك الأرض إلا بموافقتهم أهلها جميعا . فافترقت الكلمة في جيشه ، وساموه الرجوع إلى كجور لحرب فرنسا أو مسالمتها، فلم يقبل لأمر في نفسه ، فنصبوا لواء الغدر مع ابن أخته صمب لوب ، فرجعو به إلى كجور وسالموا فرنسا وولوه الأرض , فبقي خاله في سالم حتى نبا به البلد فرجع إليهم، وأبى فرنسا أن يدخل الأرض ، فبقي يهيم على وجهه يدبر في الكيد طورا في جلف وطورا بين كجور وجلف في خلوة هناك إلى أن سئم فثاب إلى عقله ورشده بعد أن غدرته أعوانه وحشمه ومواليه، وانحازوا إلى بن أخته صمب لوب، وهم جميعهم إلى دولة فرنسا، ولم يبق ممن يدافع عنهم في البلاد إلا هو ، وقد تكسرت الأجنحة التي كان يطير بها ويحوم ، فبقي شريدا في قوم من أهل بيته الأحرار وقليل من الذين استرقتهم الحرية وذكرى الماضي، فجال فكره إلى أفراد المسلمين وأهل الإمارة، فلم ير من تقدست جوانبه وطهرت سريرته من لحظات العصبية الدنيوية ولم تحم على حوالي قلبه هائمة المداهنة واقتناص الرئاسة إلا شيخَنا هذا رضي الله عنه ، فئاوى إليه يشاوره ويشتكي إليه ما وقع له من أهل بيته خصوصا، وأهل إمارته عموما، هل ينبغي له أن يهاجر إلى البلاد النائية ليستمد منها قوة من معين يسترد بها فقيده أو يثير من أهل الأرض من يعينه على خصومه العديدة بكل حيلة ممكنة ، فقال له شيخنا رضي الله عنه- وكان مأمونا عند جميع الأعداء والأصدقاء -: إن الرأي في تولي الدنيا أن تتولى عنها فتترك لأرباب الدولة الجديدة دنياهم ، فإن تلك القوة مستقبلة ولا يردها شيء إلا أن يشاء الله ، ولا ينبغي لعاقل أن ينازع في ذلك وأهل بيتك وإمارتك من الدنيا ، أما أنا فأقطع لك بأنك إن صرفت هؤلاء الذين معك وتركت السلاح والخيل حتى تبقى وحدك ستجد ما هو خير لك في ما بينك وبين ربك ، وتستريح من هموم الدنيا وغمومها، كما فعل أخوك مختار جوب .. إن تركت خولك وحشمك وسلاحك وتجاورني على الإسلام والعزلة فأنت في أمان من كل هم وغم من أهل الدنيا . فقال له لتجور : إن ما قلت حق وإني متيقن أنه الأولى والأفضل إلا أنه يثقل على نفس مثلي الانسلاخ من الدنيا بالمرة ، ولكن انصرفت نفسي عن كل ما كنت أتفكر فيه وانقطع أملي- بتنبيهك إياي بهذه النصائح- من كل ما كنت أحاول، فالآن لا أكلفك من أمر إلا بما يعينني عند ربي في الآخرة، وبما يشفع في عنده، فأسعفني بذكر ودعاء ينفع في القبر، وأعطني من لباسك الخاص ما أشعر به إذا مت، ولا تنسني في الدعاء الصالح . فأمره شيخنا رضي الله عنه بحفظ دعاء كان رتبه هو من الاستغفار ، وأعطاه قميصا من عنده فوادعه . ولم يمض عليه أسبوعان حتى انقض عليه جيش للدولة- الفرنسية-، فيه جل الوطنيين من بيوت الإمارة ومواليه ، كانت تريده ، فقاتلهم مقاتلة حرة، لم تدم زمنا يسيرا حتى أسخنته الجراح ، فمال عن جواده ميتا ولم يتزحزح عن موقفه مقبلا على نية الشهادة كما قالها حين يهجم عليهم عند بير دقله يوم الأربعاء عام 1300م ودفن بمقبرتها [3].)
وأصبح في هذه المرحلة يتفكر في ارتياد مقر مستقر يفر إليه بدينه ويخلو فيه مع أهله وأتباعه يعلمهم الكتاب والحكمة ويركز على تزكية نفسه ونفوس أتباعه ، والمجاهدة بقيام الليل وإحيائه بالقرآن والذكر وبصيام أكثر الأيام، والصمت عن غير ذكر الله وما والاه من الإصلاح والدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والعزلة عن غير العاملين الصادقين ، وتربية النفس عن اتباع الهوى وعن الترف والإسراف في الزينة والأكل والشرب وفي الشهوات . وهداه تفكيره إلى منطقة بول بلد أجداده ، بعد وفاة والده المرحوم بسنة ثم مقتل الأمير لتجور من قبل أعدائه الفرنسيين .
انتقاله إلى قرية بك بول
وصل في المرحلة الأولى إلى بك بول حوالي نهاية عام 1300هجرية 1883م وسكن بجانب إخوانه من البك والبص، وما زال خاله محمد بص على قيد الحياة ، وعاش أثناءها حياة صافية كما كان يأمل ، ويواصل تحصيل العلم والعبادة بالتأليف والتعليم ومجاهدة النفس. وفي خلال ذلك ألَّف كتابه القيم مسالك الجنان الذي يمثل أفكاره الصائبة ، ونهجه الوسطي الذي يحقق ويقارن ويختار ويستفيد من علماء الإسلام كافة ويفيد .
ومكث فيها سنتين يزداد أتباعه كل يوم ويغصُّ البلدُ من النازحين المبايعين والزائرين والمستفتين ، وبدأ سكان البلد الأصليون يتحيرون ـ بالطبع ـ ويشكون من هذا الأمر الجديد ، ولم تنشرح صدورهم بعد ، وضاق عليهم الأرض بما رحبت .
بناء قرية دار السلام : عام 1302هجرية 1885م .حينئذ غادر البلد وبنى قرية نحو الشرق ، وسماها دار السلام وانتقل إليها مع أتباعه المتأدبين سيماهم الذكر الكثير والخدمة مع القراءة والتعلم والتدريس .
ولبث فيها في هذه المرحلة ثلاث سنوات ، والقوم لا وقت لهم للنوم ولا الراحة ، والزائرون ما ينفك دويهم يسمع ، والناس من كل جهة ينصبون ، فشعر الشيخ أن القرية أيضا لم تعد صالحة لمثل هذه التربية والتزكية التي يرنو إليها ويهدف ، لأن التربية ـ كما قال الشيخ ـ تحتاج إلى الاختلاء بالمتربي والعكوف عليه وملازمته .
فعاد الشيخ يتنحى جانبا عن القرية وجمهورها ، ويفكر ثانية في شأن المقر الذي ما زال يبحث عنه؛ وكان يختفي عن الأنظار أياما ، لا يعثر على أثر له ، وهو في الغابات وتحت ظلال الأشجار ، يثابر على الذكر والدعاء والاستخارة يدعو الله أن يختار له المكان المناسب المفضَّل .
وفي أثناء ذلك حدَّثه العليم الخبير وألهمه أنه سيهب له بلدَ دين وبركة ولكن لم يعيّن له موضعا . فاستمر يستخير ويرتاد الأماكن الشاسعة ، وأزمع أخيرا أن يرحل إلى بك سانجنك بلد جده محمد الخير مهرم ، وغدا يسعى للظهيرة ، فنزل تحت ظل شجرة يطلق عليها عندنا اسم- بِبْ- للصلاة والمقيل ، فخطر على باله أن الأمد بعيد ، والمسافة الباقية مديدة ، فمن الأفضل أن يغدو لها بدل أن يمسي إليها ، فبات حول الشجرة مع صاحبيه ، وفي الغد أصبحوا يسيرون بجدٍّ متحملين وعثاء السفر وعناء المسير . وكان معه رجلان من أتباعه جه من قرية لياب وآخر . ولما وصلوا إليها نزل الشيخ ـ كعادته ـ مستقبلا للصلاة والذكر والدعاء ، فحدٌثه الله إثرها أن البلد الذي وعده إياه هو ما حول الشجرة التي نزل تحتها عند الظهيرة للصلاة في طريقه هذه .
عاد الشيخ فورا إليها ، وأمر أتباعه أن يقطعوا الأشجار حولها ويبنوا بلدهم المنشود .
وحكى لي الشيخ جمبلين بص أن البحث عن المكان كان في نهاية 1305هجرية 1888م وصادف مولدُ ابنه وخليفته الأول الشيخ محمد المصطفى كونَه في خلوة للعبادة والاستخارة في شأن موضع البلد الموعود . ومكان خلوته كان قرب حوض الوادي المسمى ببل بتاريخ 9محرم 1305هجريه 27/9/1887. وكان تاريخ تأسيس طوبى 18رجب في نفس العام 31/3/1888مـ ويقارب مولد ابنه وخليفته الثاني الشيخ محمد الفاضل 27رجب في السنة ، 9/4/1888ومسقط رأسيهما دار السلام .
لطيفة قصيرة لم يأت بها كثير من الكُتَّاب والرُواة ببيان شاف ألا وهي مبايعة إخوان الشيخ وتاريخها، وهل هم أسبق مبايعة أم لا ؟
يحكى أن الشيخ إبراهيم جيرنو أخا الشيخ الخديم كان تلميذا مطيعا للشيخ أحمد في حياة والدهم وكان الشيخ أحمد يستخدمه كثيرا ؛ ويحكى أن الشيخ أحمد قال في ميراث أبيهم : لا حاجة لي فيه إلا هذا المصحف وجيرنو .
أما السيد المختار أخو الشيخ فيحكى أن أمه سمعت الشيخ الوالد في أيامه الأخيرة يطلب من ولده أحمد أن يدعو الله له بالخير وأن لا ينساه ، وهو يودعه العيال ، ففهمت من ذلك أن أحمد هو وارث علمه وفقهه هو الابن المتميز ، وأمرت ابنيه السيد المختار والشيخ عافية بأن يبايعاه ويتبعاه ، فامتثلا الأمر.
وكذلك الشيخ بل جر؛ أما الشيخ جر والشيخ مصمب ، فكانوا وقت بداية المبايعة أولادا صغارا ، ولكن الشيخ قام بأمر رعايتهم ودراستهم أحسن قيام ، وخاصة الشيخ مصمب الذي ترعرع وتربى بحجره ووضعه هو وابن عمه الشيخ عمر بك غلوغل ابن الشيخ إبراهيم بك كجور ـ تحت وصاية الشيخ عبد الرحمان لوح ، معلِّم أبناء الشيخ وأتباعه الصغار فعلَّمهم القرآن وتفقهوا فيما بعد .
أما الشيخ مور جار وهو أخو الشيخ الكبير كان عابدا بارعا وكان الشيخ أحمد يحترمه ويجله ويقدِّمه في جميع الأمور ولما تثبَّت الأخُ الكبير وتبيّن أن علم الشيخ أحمد وحكمته وفضله غير عاديٍّ بل كرامة وخصوصية من الله الذي يؤتي من فضله ما يشاء لمن يشاء ـ بايع أخاه الصغير ، وزاد من إسلامه إرادة صادقة لله رب العالمين ممتثلا أوامر الشيخ الخديم عليهم أكبر رضوان الباقي القديم.
انتقل الشيخ مع 15رجلا من المبايعين الأولين، إلى بقعته المباركة ، وبنوا- فور وصولهم إلى الموقع- الدارَ الأولى حول الشجرة فسكنها الشيخ مدة ثم انتقل شمالا قرب الدار الأولى – وهو المنزل الذي سكنها قدما ابنُه الشيخ محمد البشير ثم انتقل منها وسكنها أخوه الشيخ صالح بك – سكن هناك الشيخ الخديم برهة ثم انتقل إلى شمال شرق البناء الأول وبنى فيه أول مسجد في البلد ، والآن توجد فيه المكتبة الكبيرة التي شيدها ابنه وخليفته الثالث الشيخ عبد الأحد ، ودفن فيه بعد وفاته، رحمة الله عليهم وعلينا جميعا.
وبعد هذه الديار بنى الدار الرابعة غربا وسماها دار المنن في الفترة التي ترك جميع الأوراد ، وصار ورده القرآن العظيم ، وكان يخلو فيها ويختم القرآن المجيد مرات عديدة ، وهي الدار التي سكنها بعده ابنه البارُّ العالم المؤرخ الشيخ محمد البشير ، ودفن بعد وفاته بساحته الفيحاء المباركة ،وكان كلما ينتقل من دار إلى أخرى ينقل معه جميع الأمتعة .
وبعدها بنى الدار الخامسة وسماها دار القدوس . وكان يخلو فيها مع ربه يذكره ويحمده ويدعوه ويناجيه.
وبنى دارا أخرى وهي دار الرحمن, وكان ينزل فيها الضيوف من مورتانيا فسمِّيت دارَ نار يعني البيضان، وهي الدار التي سكنها ابنه العالم المقرئ القرآن الشيخ شعيب ودفن بعد وفاته بساحته الفسيحة .
وبنى ديارا أخرى منها دار العليم الخبير ودار المنان.
وحكى لي الشيخ جمبلي بص أن الشيخ إبراهيم بك كجور عمَّ الشيخ الخديم وحبيبه منذ صغره نزل على الشيخ الخديم ضيفا وهو في الدار التي توجد فيها الآن المكتبة الكبيرة وتحادث معه طويلا ، وقال له من جملة ما قال : رأيت أنك تهتم بأن تذهب بعيدا عن الإخوة والوطن للمجاورة أو للعزلة والتجرد للعبادة، وأنا أطلب منك أن لا ترحل عنهم فينتفع بك دونهم أجانب .
وأتركك أيها القارئ العزيز مع هذه الأبيات التي تلمع إلى المنهج التعليمي والتربوي للشيخ : قال الشيخ الخديم في كتابه مسالك الجنان:
وأفضل العلوم بلإطلاق توحيد ربنا على اتفاق
وبعده التفسير للقرآن ثم الحديث قاله الديماني
وخيرها من بعد ذا وذين علم تفقه بغير مين
وبعد ذي المذكورة الآلات أعني على الحسب يا هداة
كالنحو والعروض والبيان ولغة العرب والمعاني.
وقال أيضا مبيِّنا مبادئه ومشيرا إلى أوامره لأتباعه:
وصف المريد تركه الإرادة لوجه من يفعل ما أراده
من لم يرد شيئا سوى مولاه يصل له وخيره أولاه
فاسلك على يدي مرب ناصح يقود للإله بالنواصح
فمن تعلق بواصل وصل ومن تعلق بعكسه انفصل
فحيثما أمرك المربي فامتثل الأمر تصل للرب
وحيثما نهاك عن شيء فلا تمل له وعن رضى لا تغفلا
إذ المربِّي لا يريد في المريد إلا الوصول ناجيا من المريد
فمن على غير الإله دلَّكا ففر منه أنه أضلّكا
ومن على الإله دلك فإن خالفته فللمريد تطمئن
كن مومنا ومسلما ومحسنا إن رمت سيرا للإله تحسنا
لا تترك العقائد السُنية ولا زم العبادة المرضية
ولا تكن ملتفتا لغير من له العباد والفعال والزمن
يعصمك التوحيدُ من كفر قبح والفسقَ تكفيك العبادةُ قبح
ومن رياء يعصم الإحسانُ قلبَك هذه هي الحسان
وكل من دعا لربه بلا سبيله فإنه لن يقبلا
هاك ته القطعةَ يا مُريدُ ينح لغير ضرك المَريدُ
الحمد لله وصلى سرمدا مسلما على النبي أحمدا
وآله وصحبه والتابعين ما لسوانا ساق ربُّنا اللعين.
وقال أيضا الشيخ الخديم ناصحا وموصيا أتباعه:
وصَّيتكم يا من تعلقوا بيا في السر والجهر لوجه ربيا
أن تتركو ا محرّما وما كره لوجه ربكم وكل مشتبه
من علم الجميع فليفارقا ومن بها جهل فليرافقا
ولا زموا الواجب والمندوبا وما أبيح تحتووا تقريبا
ولازموا تعلم العلم معا تلازم العمل فيما شرعا
تأدبوا في علن وسر مع العليِّ وخلقه بالبر
فلترحم الكبارُ جملةَ الصغار ولتُكرم الصغارُ جملةَ الكبار
ولا زموا الرجاءَ بالأعمال بما به أمر ذو الجمال
ولازموا الخوفَ بترك النهي بتوبة مصلحة للسعي
ولازموا تلاوةَ القرآن في الليل والنهار بالإمكان
ولا تفارفوا صلاتكم على سيدنا محمد باب العلى
صلى عليه الله بالتسليم في الآل والصحب ذوي التكريم
كونوا محبِّين الخيور لجميع خلق إلهنا المقدم البديع
فإنه سبحانه لا يرضى لخلقه الشر أديموا الفرضا
فكلما ققدّمه الإنسانُ فبالجزاء يجيئه الديانُ
وصيتكم مصليا مسلما على نبينا ومن به سما.
والشيخ فور وصوله إلى طوبى شرع في مباشرة عمله ، وانتهاز هذه الفرصة السانحة ، في هذه البقعة الهادئة لتربية أتباعه وتعليمهم الكتاب والحكمة وتزكيتهم عن مساوئ الأخلاق وعيوب النفس ، والعمل لإحياء السنة النبوية عقيدة وعبادة وخلقا وسلوكا، ليعبدوا الله وحده لا شريك له ويتجردون عن الحرص على متاع الحياة الفانية زاهدين ، هدفهم النقاء وغايتهم الرضاء.
ولما انتهى المريدون الأولون الستة عشر الذين انتقلوا معه إلى طوبى من بناء الدار الأول للشيخ الخديم ، جمعهم وأمر طالبه إبراهيم صار أن يبني دارا مع ثلاثة من زملائه جنوب طوبى ، وأمر طالبه مصمب جوب أن يبني دارا مع ثلاثة من أصحابه شمال طوبى، وأمر طالبه الحافظ عبدَ الرحمان لوح كذلك أن يبني شرقا باندامات دارا مع ثلاثة من إخوانه, وأمر طالبه إبراهيم فال أن يبني غربا مع ثلاثة من الأتباع . كل منهم يتربى على ترسيخ عقيدته وتطهيرها من شوائب الشرك والنفاق والرياء ويتدرب على تهذيب خُلقه وعلى إكثار الصالحات وتتبع الخيرات والحرص على الخدمة للشيخ ابتغاء مرضاة الله.
ودأبوا على ذلك الوتير ثلاث سنوات . والشيخ مَدُمْبِ كان مع الشيخ عبد الرحمان في داره.
وفي السنة الرابعة دعا الشيخ القادة الأربعة - وصادف ذلك مولدَ ابنه محمد الأمين – فأجزل شكرهم ورضي عنهم على صدق إيمانهم وإخلاص عبادتهم ، وعلى خدمتهم الجادّة ، ودعا الله أن يجزي لهم خيري الدنيا والآخرة ، وأمرهم أن يرجعوا إلى الأهل وأن يمهِّدوا لإقامة بيت عائلي ولنشر الدعوة.
فتوجه الشيخ إبراهيم صار نحو مدينة صار ، والشيخ مصمب جوب نحو دار الشام ، والشيخ إبراهيم فال إلى العاصمة اندار ؛ أما الشيخ عبد الرحمان لوح قال : إنه لم ير ما يدعو للسراح والانطلاق لأنه بايع الشيخ على السمع والطاعة وملازمته ما بقيا وهما ما زالا على قيد الحياة ؛ ورد عليه الشيخ قائلا : إنه كان يتوقع منه مثل ذلك، وذهب معه ومع الشيخ بك بص نحو الجنوب بين دار السلام وطوبى وبنى فيها دارا وسماها دار العليم الخبيرالمعروفة الآن باندام ، وسكَّنهما فيها ، وأمر الشيخ عبد الرحمان لوح بتحفيظ القرآن لأولاده وأتباعه الصغار ومن هؤلاء أخوه الشيخ مصمب وابن عمه الشيخ عمر غلوغل الذان كانا صبيين .
واستمر الشيخ هكذا في إقامة شعائر الدين ، وفي تربية الأتباع, والتعليم والتأليف في مجال العلوم الدينية ، وفي المدح للنبي عليه الصلاة والسلام و في الصلاة عليه، والشكر لله والدعاء والدعوة إليه، كما قال في قصيدته مطلب الفوزين التي صنفها أثناء تأسيسه مدينة طوبى:(مقصده قصيدة الشكر والدعاء الجالبة – إن شاء الله- للزيد والنصر وهي قائلة في مسكن قائلها طوبى حرسها الله تعالى من كل مكروه ومخوف ، بجاه من هاجر القائل إليها لإحياء سنته صلى الله تعالى عليه وسلم . ) ويقول في افتتاحه :
الحمد لله الكريم ذي المنن على اشتغالي بفروض وسنن
شكرته لأنه قد ساقني لوطن به نفى ما عاقني
وقادني إليه بالتحلي من بعد ما هذب بالتخلي
وجرَّني فيه إلى العلوم والفوز بالعمل بالمعلوم
ويقول أثناء القصيدة :
ثم إليك لا إلى سواكا قد سرت لمّا لم أجد شرواكا
فجدت لي اليوم بخير منن وقدتني إلى اقتفاء السنن
من بعد ما كاد امتداح الناس يدخلني في شرك الخناس
وكدت للأمداح والإطراء أزهد في التعليم والإقراء
وفي التعلم وفي التعليم وفي اشتغال بهدى المعلوم.
واستمرت الحياة كذلك آمنة ساكنة طوال ثلاث سنوات، وصيت الشيخ يزداد انتشارا كما قال الشيخ محمد البشير في كتابه منن الباقي القديم : ( فهو حديث السامرين والمسافرين ، وحديث الفلاح في حقله والعالم بمجلسه والعامل بمحلته والأمير في حاشيته.)
والقرية تغص زوارا ، فمن كل وجهة يجيئون ، وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ، للتبرك أو للمبايعة والإسلام معه لله رب العالمين .
ونشأ من ذلك علاقةٌ متأزمة تزداد من قبل أمير تضمحل سلطته وشعبيته ، وعالم يخلو مجلسه وعابد تنقص جماعته ، مما أدى بزعماء الوطن من الأمراء والولاة إلى خلق افتراءات وأكاذيب عند الحاكم العام الفرنسي باندار- سانت لويس- يعلنون أن أتباع الشيخ المسمِّين بالمريدين يزدادون كل يوم عَددا وعُددا ويستعدون للسطو على السلطة المحتلة . فسأل الحاكم عن زعيمهم وبلدهم ؟ فأجاب المريدون : أن زعيمهم عالم متدين ورع لا يظلم ولا تهمه السياسة ؛ وبلدهم في أطراف منطقة بول شرقا. فأصدر الحاكم قرارا بإجلائهم من بلادهم الأصلية إلى بلد زعيمهم طوبى. واتخذ الأمراء والولاة هذا القرارَ الجائر ذريعة تسمح لهم بفتنتهم وطردهم وضربهم ومصادرة أموالهم . فتوجهوا جميعا إلى شيخهم لاجئين وشاكين إليه ما آل أليه أمرُهم . فأرسل الشيخ إلى الحاكم رسالة انتقاد واحتجاج بهذا القرار الجائر عن الشريعة والقانون غير اللائق بالإنسانية . فأرسل الحاكم رجالَ مخابراته للتحقيق في الأمر ، وبعد أمد علموا أن الاتهامات لا أساس لها من الصحة ، بل هي ضرب من المؤامرات باعثها الحسد والغيرة تجاه تزايدهم وتفوقهم . وحينئذ أصدر الحاكم قرارا ثانيا يسمح لهم بالسكن في أي بلد رغبوا ما داموا يحافظون على النظام والقانون العام.
وعادت الحياة في طوبى بالنسبة للمريدين إلى طبيعتها مستقرة طوال سنوات ، لج فيها الشيخ في تربية المريدين ، وفي التأليف في المجالات الشرعية والأدبية ، صاغ فيها قصائد رائعة في المدح للنبي والصلاة والسلام عليه والرثاء على السلف الصالح وذكر حرصهم على العبادة والمجاهدة وتبحرهم في علمي الشريعة والحقيقة ؛ وذلك مما زاد حرص المريدين وانجذابهم نحو الخير والرضوان . وحث العلماء على ملازمة التعليم, وحرّض الحفاظ على إقراء القرآن وتدريس الرسم العثماني.
وفي السنة السابعة التي عاشها الشيخ الخديم في طوبى اعتكف بمسجد في دار القدوس للذكر والدعاء والاستخارة فرأى النبي المنتقى صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلن له درجة يصيبها بعد أشهر ؛ وقال الشيخ :( لما رأيت النبي عليه الصلاة والسلام في فرقة من أهل بدر لم يعد يهمني شيئ سوى أن أكون واحدا من خواصِّه المقرَّبين ، فأخبرني المصطفى عليه الصلاة والسلام بأنه لايمكن أن تبلغ مقامهم إلا بممارسة مجاهدات ومعاناة بلايا لم يتحمله أصبر الصابرين!
فأجبت بأن إرادتي وعزمي وحزمي تصمد على كل ما يتحمله روحي .
وقال: أخبرني المصطفى بأنه لا بد أن أخرج من طوبى المحروسة بسبب دعائي المستجاب.)
وكان الشيخ يقول في قصيدته مطلب الفوزين التي نظمها أيام تأسيس طوبى:
ونجِّنا من شر هذا الزمن وشر غيره وكل فتن
ولتقنا شرَّ النصارى واليهود وشرَّ إبليس وكلِّ ذي جحود
والجن والدجال والسودان في الشرق والمغرب والبيضان
وشر ما في الأرض طرا والسما من ظاهر وباطن اكتتما .
ويقول:
واحم حماي لي كن حصنا حصينا عن كل ذي ناب وظفر كل حين.
ويقول:
ولتغرني بحب كل مسلم ونجني من شر كل مجرم.
ولذلك خرج من طوبى إلى منطقة جلف - وهي أرض سكنها جده الكبير محمد الخير مهرم بعد انتقاله من منطقة فوتا, فأحيى قرية جدِّه بعد خرابها وبني فيها مسكنا مع أتباعه المتربين.
وبعد هنيهة من انتقاله انتشر الخبر حول البلاد ، فتأهب أكثر أهلها للتوجه إليه
للزيارة أو للإقامة بجانبه والعبِّ من فيض حِكمه ومعرفته وبركته مما جعل منطقة كجور وبول , ذات الكثافة السكانية, قاعا ينقص منه الإنس.
فذهلت الزعماء والأمراء من هذه الظاهرة الغريبة ، وعادت العداوة إلى عهدها السابق ، من الجاهل والحاسد والغيور واستأنفوا يلفِّقون افتراءات وينقِّبون عن اللوثة لتقوية أكاذيبهم ، ويتآمرون مع رجال مخابرات الدولة الفرنسية المتسلطة ويتألبون عليه جميعا ؛ واختلقوا تهمة أنه يعبِّئ جيشا للهجوم على السلطة الحاكمة؛ وقام معهم الوالي الفرنسي لمنطقة لوغا وجلف لكلرك الغمر الطائش ، بلا بحث ولا تحقيق عن هذا العالم العابد الورع الذي لا يهمُّه إلا تربيةُ أتباعه وتعليمُهم وإحياءُ سنة النبي المختار العظيم الخلق ، وتجريد المريدين عن العادات الجاهلية،ونشر الدين الإسلامي للعالم حوله.
فتشمَّر الفجارُ المحتلون بخفة عقلهم وغطرستهم وحقدهم الأصيل للإسلام والمسلمين الصادقين المصلحين ، تشمروا عن ساعد الكيد والمكر لسجنه أو إعدامه أو نفيه إلى بلاد نائية لا دين فيها ولا ثقافة ولا حضارة ، فتخلو الساحةُ من مصلح يُحيي السُنَّةَ ويجدِّد الدين وينشر العلم والثقافة والأخلاق القرآنية النبوية ، ثم بعد خلوها يسيطرون عليها ويستغلون الفرصة لنشر ثقافتهم الخبيثة وأفكارهم الهدامة ودينهم المعوجِّ المحرَّف وأخلاقهم المتحللة المتهورة المتحررة عن الدين ، ويُحْكِمون الغلبة والسيطرة على المواطنين فيقلِّدونهم عقيدة وفكرا وأخلاقا وسلوكا .
ولما انحاز لكلرك والي منطقة لوغا إلى جانب الزعماء العاديين الحاسدين للشيخ وبعث إلى مرلي الحاكم العام في سانت لويس برسالة يُبلغه فيها كل تلك الاتهامات والادعاءات ، أجابه مرلي وأمره بإرسال رسالة إلى الشيخ العبد الخديم يدعو فضيلته إلى عاصمة السنغال سانت لويس للمحاكمة ، وبعد مدة قبل الشيخُ الدعوة.
توجه الشيخ الخديم إلى سانت لويس 18صفر1313هجرية10/8/ 1895م من داره ببك بار مارًّا بقرية كُكِّ ولوغا والتقى في مرتفع جيول بفرقة من الجنود الذين أرسلهم الحاكم العام يستحثه على القدوم إلى العاصمة سانت لويس ، فواصل رحلته معهم ، لا تفوته صلاةُ فريضة ولا نافلة ولا شيء من لوازمها حتى انتهوا إلى المحكمة الخاصة التي قاضيها هو خصمه ومدعيه: الحاكم العام بالسنغال .
ولما وصل إلى مكتب الحاكم مرلي في 5/9/1895 صلى ركعتين قبل محاورته.
ومكث في مدينة اندر سانت لويس أياما ينظر القضاةُ في قضيته, وعلى رأسهم الحاكم العام وأعوانه المحتلون ، يرون أنه مهدِّد لمصالحهم السياسية والاقتصادية والثقافية ويتشاورون أيسجنونه أم يقتلونه أم يخرجونه ؟
وأخيرا اتفقوا على إخراجه إلى البلاد النائية .
انظر إلى هذا القضاء الجائر من الذين يدَّعون أنهم أهل الحضارة والثقافة والتطور والرقي، شعارهم المساواة والإخاء والعدالة !
بل هم أهل الهمجية وقانون الغابة والكفر والوحشية والعنصرية والجور!
أدخلوه في القطار من سانت لويس إلى دكار فبات فيها ليلة أشدَّ من الليلة النابغية :
سجنوه في قبو مليء بالئالات المؤلمة الجارحة ، ولم تمنعه تلك المحنةُ من إحياء الليلة بالقرآن ، افتتحها بسورتي البقرة وآل عمران، فخفَّف الله عنه الآلام . وكان يقول:
إذا ذكرت ذلك المبيت * وذلك الأمير والثبوت *
طارت إلى الجهاد بالأرماح * نفسي ولكن ذبَّ عني الماحي*
وبعد المضايقات والممارسات اللانسانية أخرجوه من دكار 21/9/1895 إلى غابون وكونغو، ووقف في كثير من المدن الساحلية مثل غرانبصم في ساحل العاج, وداهمي / بنين, ولاغوس عاصمة نيجريا الاقتصادية, ودُووَالا عاصمة كمرون الاقتصادية .
واختاروا أفريقيا الوسطى لأنه كانت ـ في هذه الفترة من الزمن ـ من أقل البلاد دينا وانفتاحا ، وهم يبحثون عن أقصر طريق للتخلص من أخطاره المزعومة.
وثبت في هذه الغربة قرابة ثماني سنوات يعاني خلالها أقسى العقوبات المادية والمعنوية؛ وأدبرت عنه الدنيا برونقها وبهجتها وكانت أقبلت إليه أهلا ومالا وولدا وأتباعا فصبر على البلايا وزهد في الدنيا وجاهد الكافرين بالقرآن جهادا كبيرا وغلَّظ عليهم بقصائد رائعة جزل ، فأقبلت إليه المعارف وخطبته المقامات السنية كما قال الشيخ محمد البشير نجله العارف في كتابه منن الباقي القديم .
وكان يقول الشيخ الخديم في القصيدة التي ابتدأها منذ انطلاقه من بيته إلى سانت لويس ومطلعه:
أسير مع الأبرار حين أسير * وظن العدى أني هناك أسير
مسيري مع الأخيار لله بالنبي * وما لي لغير الله عوض مسير
ويقول:
ستوري في الدارين مدحي محمدا * بنظم ونثر وهو نعم ستور
بذوري كتاب الله والسنة التي * بها أحتمي عما نحاه بذور
قصوري خلت والأهل عني تفرقت * لمدح الذي عنه المديح قصير
غرور الورى غرَّ النصارى بكيده * وظنوا ظنونا والظنون غرور
ويقول:
غنيت به ربا وليا يقود لي * مرامي وأني شاكر وفقير
أموري له فوَّضت والقلب طيِّب * غريبا لدى الأعداء وهو بصير
رفيقي كتاب الله والمصطفى النبي * وأصحابه في البحر حين أدور.
غاص الشيخ أحمد بمب في بحر الغربة برهة تناهز ثماني سنوات ، يكابد قسوة الإفرنج وتكبرهم وعتوهم وعربدتهم ، ويصبر على أعاصير البلايا المتوالية وهو لا يخضع لنفوذهم وقوتهم وجبروتهم ولا يلتفت إلى غير ربه العزيز القهار ، يعبد الله لا يشرك به شيئا ويدعو إلى توحيده سبحانه وتعالى وينقم منهم الشرك والعصيان ، ويقول لهم في قصيدة رائعة :
يا جملة قد ثلثوا بضلالهم * من لم يكن ولد له أو والد
أخرجتموني ناطقين بأنني * عبد الإله وأنني لمجاهد .
ويقول:
نجوت من فتن الأعداء إذ قصدوني بالمدافع طرا والسكاكين
أنبت إذ واجهوني بالأذى لكم * ورضتم الكل لي مثل المساكين
وأنا لا أرى فيما عانى وكابد من ظلم واضطهاد وبلايا أمرُّ عليه من إخراجه من مدينة طوبى التي وهبها الله له ورأى فيها ضالَّته المنشودة : الاستقرار والسكينة والسلامة من كل عقبة تعرقل عن العبادة والتعليم ونشر الإسلام وتخليصه من شوائب الجاهلية وتقاليد الوثنية ؛ كان يقول في قصيدة مطلب الفوزين :
شكرته لأنه قد ساقني * لوطن به نفى ما عاقني .
وروى نجله النجيب الذي ولد بعد أشهر من منفاه إلى الغربة : الشيخ محمد البشير في كتابه منن الباقي القديم أن الشيخ أحمد الخديم قال :( إن السبب في كونهما[طوبى ودار السلام] أحب إلي من سواهما خلوص نيتي في بنائهما، ما رجعت فيهما لأصل سابق ولا لارتياد مزر ع ولا مرعى ، وإنما هي لعبادة الله وحده ،عن إذن منه تعالى واختيار .)
وكان طوال غربته في وسط إفريقيا يتذكر بلدَه طوبى ويحنُّ إليها خاصة حينما رفعه الله إلى المقامات العلا وحدّثه أنه رضي عنه رضا لا سخط بعده وقبل خدمته الموجّهة إلى الرسول الكريم المنتقى, صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الطيبين المجاهدين, وإلى ملته القويمة: الإسلام.
وقال الشيخ محمد البشير : قال لي الشيخ الخديم ذات يوم :(الحمد لله ما ازددت يوما مما وجب الإيمان به ، ولم أزدد تحفظا من الورع ، ولا حبا في الخير ولا قياما بالعبادات مذ كُلِّفت إلى الآن .فقلت له إذن ما ازددت في الغيبة ؟:الغربة.
فتبسم وقال لي :"ازددت كثيرا منه المعرفة والوصول واليقين بمراتبه (التوبة والصبر والشكر والخوف والرجاء والحياء والتوكل والرضا والمحبة" ومواهب لا تتناهى).
ولما حاز هذه كلَّها بدأ يدعو ربه ليقيِّض له الرجوع إلى بلده طوبى ويقول :
نويت هنا الرجعى لطوبى بإذنه *وأودعته جسمي وأودعته القلبا.
ويقول:
إلهي إلى طوباي قدني وسلِّمن *وجد بامتنان َثمَّ ولتومن التُّربا.
ويقول:
رجوت فراقي سرمدا جملة العدى * ولقيا عيالي منك يا من قضى الأربا.
ويقول:
وبشِّر ذوي الإسلام طرًّا بأوبتي *إلى إخوتي ولتقض لي قبلها الأربا.
ويقول:
وعجِّل خروجي من عيوبي جميعها *وقدني إلى طوبى وعنها اصرف الجدبا
وعنها اصرف الشيطان والسوء سرمدا * ووجِّه لها الخيرات ولتومن التُربا
وبارك لنا فيها وفي كل ما حوت * وفيها أقمني واهد بي الِترب فالِتربا.
ويقول:
فتاح وهاب يا رزاق يا ملكي * لي افتح وهب لي وارزقني بكن لانا
ضيقي أزل عاجلا بالبشر مع مدد * حتى أقيم لدين الله أركانا.
ويقول:
يسِّر رجوعي لطوبى واحمني وقني* أذى الورى ولتطب لي ثمَّ إسكانا.
ويقول:
اجعل رجوعي إلى قومي سعادتنا * ولتكفنا يوم جمع الخلق نيرانا.
وبعد أكثر من سبع سنوات من غدوِّه من منزله بقرية بك بار: من 18صفر 1313إلى 20 من شعبان 1320هـ الموافق10/8/ 1895إلى21/ /11/1902 وصل إلى ميناء دكار قادما من غابون بعد 14يوما قضاها في السفينة، ووجد جمهورا غفيرا من المسلمين يستقبلونه محتفلين مبتهجين بعودة بطل الإسلام الذي أنقذهم من ظلمة الجهل والشرك والذلة، إلى نور العلم والتوحيد والعزة ، ورحلوا معه في القطار إلى مدينة سانت لويس - اندر- ثم إلى دار السلام عبر قرى كثيرة لبعض أتباعه, استقبلوه استقبالات حارة وبذلوا قصارى جهدهم من أجل تكريمه، ولما وصل إلى دار السلام وجد أخاه ومريده الكريم السيد المختار قد أعدَّ مأدبة لا سابقة له ولا لاحقة تكريما له وشكرا لله، بعد أن جاهد في الله حق جهاده وصبر على البلايا بطاعة الله تعالى ، وكانوا هم له في أهله وأتباعه.
وأقام الشيخ في دار السلام شهرا ثم تابع إلى قريته دار المنان في ضواحي طوبى حيث أخوه الشيخ إبراهيم الذي استخلفه فقام بعده أحسن قيام يعتني بتعليم الأهل والأتباع وتربيتهم، كما كان الشيخ عبد الرحمن لوح يسهر بشأن تعليمهم القرآن ورعاية السيدات الزوجات ، وكذلك كان المريدون الأوائل أمثال الشيوخ مَدُمْبِ وإبراهيم صار وإبراهيم فال ومصمب جوب ونظرائهم يشتغلون بنفقة الأهل والأتباع المتربين.
ولم يسكن بلده المحبوب طوبى ، كأن الله حرمها عليه امتحانا وابتلاء ؛ بل مكث في دار المنان بحرص أشد وجهاد أكبر في نشر الدين الإسلامي . وكان الناس بأجناسهم المتنوعة يتموجون إليه مبايعين بانجذاب جامح ، وهو يربيهم ويُرَقِّيِِ هممهم للعلا ، برؤيته ورسالته الطموح, ويهذِّب أخلاقهم, ويبثُّ عليهم الحِكَم, حتى كاد جماهيُر البلاد ينصبون عليه بأشد من ذي قبل، فوثب إليه مرة أخرى الأمراءُ الحسود والزعماء الغيور من قعودهم وجثوهم، وجهروا بعد إسرارهم واشين ومختلقين تهمة بأنه جهَّز جيشا مع بعض الأمراء لقتال المحتلين ولم يدركوا أن أولويته هي تعليم المريدين وتربيتهم، وغرس العقيدة الصحيحة في صدورهم ، وتبديل العادات الجاهلية إسلامية، وبذر روح العمل الجادَّ إلى جوارحهم . وكان يقول:
بكونك القاهر الجبار رمت هنا أن لا أنازع جبارا وسلطانا.
ولكن الأمراء تواطئوا مع المحتلين الفرنسيين المستغلين الذين لا يريدون إلا تبديل الدين مسيحيا أو إسلاما منحرفا، وتبديل الثقافة الإسلامية المنيرة, غربية إباحية مظلمة .
غربته السلطة المحتلة الفرنسية الغاشمة بهذه الفرية الواضحة إلى مورتانيا 14ربيع الأول1321 هجرية 10/7/1903 م، الأرض المكتظة بالعلماء المسلمين العرب ، لتأفل صيته الجميلة بجانب هؤلاء العلماء الراسخين المشهورين بالعلم والدين، ولينقطع نور العلم والدين من بلاد السنغال التي يحرصون على تنصير أهلها أو تضليلهم؛ ولكن وقع عكس ذلك ؛ بعد أن طلب منه الأتباع المريدون إذنا لمحاربة الكفار ومقاومتهم حتى لا يخرج مرة أخرى ، أيَّسهم بأنه ما آن الأوان لمحاربتهم ماديا ، وأعلن قائلا: لم أرج صديقا، ولم أَخف عدوا: وإنما أقوم بإذن من الله.
وبعد ذلك عزم المريدون جميعا أن ينتقلوا إلى حضرته ويعرِّضوا لأنفسهم خطر غصب أمولهم وإزهاق أنفسهم، مما اضطرَّ الفرنسيين إلى أن يسُدُّوا الثغرات ، ويغلقوا الحدود ولا يسمحوا بأن يمرَّ الحدود يوميا إلا عشراتُ الأشخاص.
وأقام في مورتانيا حتى شهر أبريل سنة 1907 وأصبح حيُّه في صرصار مثل مدينة طوبى سكانا وازدهارا يهاجر إليه أكثر شعب السنغال ويبايعونه على السمع والطاعة, وفي هذا الحي كتب قصيدته التي يقول فيها :
إن الذين إلى صرصار قد قصدوا زيارتي فارقوا الدارين أوزارا.
وفيها أخذ ورده الخاصة كما سبق, وألَّف فيها كتبا كثيرة منها " وكان حقا" و"سعادة الطلاب" وغيرها, وبايعه كثير من المريدين العرب.
وكان ابنه محمد البشير ممن معه طوال الغربة في مورتانيا, وكان صغيرا يقرأ القرآن على الشيخ أبي بكر- بي جخت- وفي هذا المكان حفظ القرآن الكريم، ورسم المصحف في قرية جِلَّ درمان تحت إشراف الشيخ إبراهيم صلا في السنغال.
ولما يئس الفرنسيون من تضعيف قوة إيمان الشيخ وقوة إيمان المريدين عزموا على نقله إلى داخل السنغال قرية جيين في منطقة جلف ومكث فيها خمس سنوات من أبريل 1907 إلى 16/ 1/1912م 26/1/1330هـ وكاد سكان البلاد وخاصة منطقة بول وكجور يهاجرون إليه، وأدرك الأمراء والسلطة المحتلة من خطر ذلك الهجرة وخطر عزلة الشيخ مع أتباعه، وخطر تعليم الشيخ وتربيته المؤثرة التي يرون أنها تهدد خطتهم المرسومة لتنصير البلاد ونشر ثقافتهم الإباحية الخبيثة ؛ وحينئذ قرَّروا نقله إلى جوربيل, لاعتبارات سياسية تخدم مصالحهم في رأيهم ولكن لم يخطر ببالهم أن جوربيل بالنسبة للمسلمين أقرب وأيسر وأصلح وفي ذلك يقول الشيخ الخديم:
راموا مسيري إلى جوربيل لدى لسش لو عاينوا سِرَّ ما في السير ما راموا
وذلك سنة 1330هجرية استقر فيها 15 سنة يسَّر الله له فيها كلما كان عليه عسيرا ؛ وهو يُكبُّ على مهمته التربوية التجديدية ويتسابق إليه العلماء وحفظة القرآن والعمال الفنِّيُّون مبايعين على السمع والطاعة في العسر واليسر ؛ وهو يأمر كل واحد منهم أن يهتم بنشر الدين وإقامة شعائره, وأن يعلِّم كلُّ واحد من علمه وفنِّه لله رب العالمين ، ويهذِّب أخلاق أهله وأتباعه ويصحِّح عقائدهم .
وجعل الله له في هذه الفترة نجاحا باهرا ، صنَّف فيها كتبا كثيرة ، وجدَّد عددا من مؤلفاته القديمة ، وأسلم لله على يديه أفواجٌ كثيرة من مختلف الأجناس والقبائل والمناطق ، وأسَّس عددا لا يحصى من مدارس لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم ، تفرعت منها دور ومدارس منتشرة في جميع أنحاء البلاد ، يقوم عليها رجال مجتهدون من أبنائه وأتباعه وأبنائهم ، وهي حتى اليوم ولله الحمد ، تنمو وتنتشر وتتطور وتزداد موادُّها وتتجدد مناهجها وتتقدم بشكل مستمر ، وكوَّن علماء وصالحين ومثقَّفين وعمالا فنِّيِّين ، بكتبه وإرشاداته, يحملون راية من رايات نشر القرآن وعلومه في البلاد وخارجها في أوروبا وأميركا وأفريقيا، وكوَّن جملة من الصناعيِّين والاقتصاديين والتُجَّار الذين ربَّاهم وأرشدهم إلى كسب المال الحلال وإنفاقه في سبيل الخير . وأمر ببناء المسجد الكبير بجوربيل في أبريل سنة 1916 وأمر الطلاب المريدين أن يحتفلوا يوم انطلاقه من منزله إلى المنفى بظلم قوات الاحتلال الفرنسية 18 صفر في كل عام ، شكرا لله تعالى على ما أنعم الله عليه من الثواب الجزيل والبركة بسبب هذه الرحلة ، وأمر في نفس العام ببناء مسجد جامع في بلده المحبوب طوبى، وقد قام بإنجازه بعده أبناؤه وأتباعه أحسن قيام ولله الحمد ، قد تحقق وكان أعظم مسجد في بلاد السنغال .
ارتفاع روحه التقي إلى جوار ربه:وفي 20 محرم 1346هجرية 19/7/1927 أراد الله أن يريح عبده الخديم الذي قضى حياته في عبادة ربه العليم ، والخدمة لنبيه الكريم ، وإحياء سنته صلى الله عليه وآله وسلم ، فأرسل واحدا من ملائكته المقرَّبين ، قائلا له : (يا أيتها النفس المطمئنَّة ارجعي إلى ربِّك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنَّتي ) وارتفع بروحه الطاهر إلى جوار ربه ، وسط رياض الجنة تحت العرش ، بجوار حبيبه ونبيِّه العزيز محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، إن شاء الله .
يقول الله تعالى:( الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ (29) ويقول الله تعالى:( وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (25) ويقول :( إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (54) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (55).
ولما جاء نجلُه الكبير الشيخ محمد المصطفى مع الشيخ قَرِ جِنكْ وعبد الله جوب لِوْنَ والشيخُ محمد الأمين جوب الدغاني والشيخَ فاط تَكُ جوبْ وأيقن أن شيخه الوالد انتقل إلى جوار ربه، أمر الشيخ قَرِ جِنكْ أن يدعوَ الشيخ محمد البشيرولما جاء الشيخ محمد البشير وعرف الحدث أمره أن يدعوَ محمدا الدندغي وأمر الشيخُ محمد المصطفى الشيخَ مختار صِلا أن يدعوَ الشيخَ بلَّ جُرُ وتحادثا ثم ذهب الشيخَ بلَّ جُرُ وجاء مع محافظ إقليم جربل فنظر إلى الشيخ الخديم منتقلا بروحه إلى الرفيق الأعلى وأخبره الشيخُ محمد المصطفى أنه ينوي أن ينقل جثمانه إلى بلده طوبى فاتفق المحافظ على ذلك, وأمر الشيخَ بلَّ جُرُ أن يأتي بسيارته فاتفق, وأمر الشيخ فاط تَكُ جوبْ الذي كان حاجبا قريبا من شيخنا أن يأتي بالسائق مع سيارته ثم خرج ورأى الشيخ مور جخت المؤذن وأمره بإذن الشيخ أن يدعوَ الشيخ عافية ويأتي معه إلى الشيخ, حينما كان الشيخ محمدا الدندغي يغسِّل الشيخَ ويقلبه الشيخُ محمد الأمين جوب الدغاني بينما يصبُّ عليه الماء الشيخُ قَرِ جِنكْ, وفيهم الشيخَ مختار صِلا والشيخ سعيد بَكِ والشيخ فاط تَكُ جوبْ الراوي لهذه القصة التاريخية الذي بقي مع الشيخ محمد المصطفى في جربل وأمر الشيخ محمد المصطفى عبد الله جوب لِوْنَ أن يذهب إلى قرية "دار المعطي" ليخبر مام جرنو أن يذهب إلى طوبى لحضور صلاة الجنازة وأسرَّ الخبر إلى أتباع الشيخ المقرَّبين ، وأمر أخاه الصغير الشيخ محمد البشير مع الشيخ محمدا الدندغي والشيخِ محمد الأمين جوب الدغاني والشيخِ قَرِ جِنكْ أن يعودوا بالشيخ إلى مثواه الأخير ببلده الطاهر المبارك المحبوب "طوبى" ، فشيَّعه أحباؤُه الأمناء الصادقون حزنين ، منهم أخوه الشيخ جيرنو إبراهيم بك والشيخ محمد الأمين جوب الدغاني والشيخ قَرِ جِنكْ والشيخ عبد الرحمن لوح والشيخ محمد الأمين غَيْ والشيخ محمد الأمين غَيْ بار قَرِ فال وابناه الشيخ محمد الفاضل والشيخ محمد البشير,والشيخ مَدُمْبِ كان في طوبى يبني مخزنه للقمح وعدد من الصادقين المخلصين ، وكان يؤُمُّ صلاتََََهم ابنُ خاله الشيخ بك بص حائرا حزنا.
هذا آخر ما تيسَّر جمعه وتلخيصه في هذا البحث, وفي الختام , وأسأل الله تعالى أن يوفِّقَنا لما يحب ويرضى ويهدينا الصراط المستقيم ويثبتنا على اقتفاء أثر نبيه الكريم ، ومحبة خديم رسوله الحكيم؛
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين؛ وصلى الله على سيدنا محمد الصادق الأمين ، وعلى آله الطاهرين, وصحبه الصادقين، ومجدِّده الخديم, ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
الكاتب: أحمد بامبا المنتقى البشير22/09/2014.
هذا كُتَيِّبٌ ميسَّرٌ في سيرة إمام عظيم، ومربِّ حكيم، قد أدَّى خدمة جليلة للإسلام ولرسول الإسلام ولأمة الإسلام؛ ألا وهو الشيخ أحمد بمب عبد الله وخديم رسوله عليه الصلاة والسلام .
ولقد شغل بالي منذ زمن بعيد أن أتقصَّى حياةَ هذا المعلِّم الكبير، ومواقفَ هذا الداعية البليغ، وأرسم صورا من جهاد هذا المجدِّد الخبير أمام هذا الجيل المتحيِّرِ في عواصف هذا العصر المُظلم، ليستخرج منها أسوة حسنة، ولتكون له قدوةً حية، ومثالا واقعيًّا، يَدرس إيمانَه الصادق، وأعماله الصالحة، وأخلاقه الكريمة، ومنهجه في التعلم والتعليم، وصلابتَه أمام الأمراء الجاهلين, و صموده أمام الحُكَّام الجائرين، وزهده في الدنيا, وقناعته مع الأغنياء، ورضاه بقدر الله, وسلوكه القويم مع أهله وإخوانه، ومع الناس جميعا.
ولقد ظلمه النظامُ الفرنسي المحتلُّ لأرضه، وظلمه الأمراءُ المتحالفون مع المحتلِّين وظلمه النظامُ الحاكم منذ استقلال البلاد عن فرنسا، وظلمته مدرسة البلاد الرسمية.
أنظر إلى هذا العالم الجليلِ ذي العقل الكبير، والذكاء المتَّقدِ والروح المشرق والنفس الزكية والعلم الغزير، والشمائل الطيبة والمصنَّفات القيمة، والِحكَمِ المُنيرة والأحاديث المفيدة_هل تجد له ذكرا خلال صفحات الكتب المدرسيَّةِ التي تزخر بصُوَرِ أعداء البلد وأعداء الدين المحتلين, وبمجدهم؟ بله أن يُدرَّس تاريخه الحافل بالعِبَرِ والبطولات والأسوة الحسنة، أوُيدرَّس كتابٌ من مؤلفاته القيمة المفيدة. أمعن نظرك في هذه الجماهير الغفيرة التي علَّمها وكوَّنها ثقافيا واجتماعيا بكتبه وإرشاداته حتى حملت راية من رايات نشر القرآن وعلومه في البلاد وخارجها في أوروبا وأمريكا وإفريقيا. قف مليًٌا وحدِّق بصرك في هذا البلد طوبى الذي أصبح من المدن النامية ثقافةً وحضارة وازدهارا واستقامة, وصار مقرًٌا لقراء القرآن, ومركزا لطلاب علوم الدين ، ومازالت تتطلع إلى رُقِيٍّ وتطور في جميع نواحي العلوم والتكنولوجيا. فكِّر قليلا في هؤلاء الاقتصاديين من الصناعيين والتُجّار والمقاولين الفنِّيين الذين تخرَّجوا في مدرسته وأرشدهم إلى كسب المال الحلال, وإنفاقه في سبيل الخير, لخدمة الدين والدنيا، ولكسب سعادة
